آقا بن عابد الدربندي

294

خزائن الأحكام

وبالجملة فان العادة قاضية بوقوع مثلها فيما جرت العادة بالاتيان بمثله والمسامحة فيه وان كان عظيما في نفسه فليس من الحرج في شيء نعم تعذيب النفس وتحريم المباحات والمنع عن جميع المشتبهات أو نوع منها على الدوام حرج وضيق ومثله منتف في الشرع وتارة بان صدق العسر والحرج يختلف باختلاف المصالح المقتضية للتكليف فربّ عسر يعدّ سهلا بالنسبة إلى ما يترتب عليه وربما يعد ما دونه عسرا بالنسبة إلى قلة ما يترتب عليه من المصالح وتارة بان منشأ هذه المشقة غلبة الجبن واستيلاء هذه الصّفة الرذيلة وانما العبرة بالمشقة الناشئة عن ضعف البدن أو صعوبة العمل وبعبارة أخرى فرق بين ما من قبل المكلف وما من قبل التكليف وبهذا الجواب الأخير أجاب عن الثاني أيضا وأجاب عن الثالث ببعض هذه الوجوه المذكورة وأجاب عن الرابع بان المتبادر مما دل على نفى العسر والحرج نفيهما عن المكلفين ابتداء دون ما يكون مستندا إليهم بسوء اختيارهم هذا وأنت خبير بان نفى كون ما ذكر وأمثاله من التكليف بالجهاد ومجاهدة النفس وارتكاب الجوع والعطش في الأوقات الحارة والكف عن الجماع مع الحاجة الشديدة اليه والسفر إلى الحج وتحصيل مسائل الحرام والحلال بافتراق الأهل والعيال وترك الرسوم والعادات المتداولة بين الأنام وعدم المبالاة بلوم اللوام في اجراء الاحكام والتوضؤ بالمياه الباردة سيما في الاسفار إلى غير ذلك مما في غاية الكثرة من مصاديق العسر والحرج مما بعده عن الصّواب في منار خصوصا إذا لوحظ تكرر جملة من ذلك من قسم واحد أو اقسام مختلفة في أوقات قريبة وأزمنة متقاربة وليس انكار مصداقية هذه الأمور بالنسبة إلى أغلب الناس بناء على إناطة الامر عليه للعسر بل الحرج الذي هو أعلى منه بل انكار كون جملة مما ذكر من الافراد الظاهرة الكاملة للحرج الا من المكابرات الصّرفة وكيف لا فان احتجاج المعصومين ع في أدنى عما ذكر بمراتب كثيرة بحسب المشقة والصّعوبة بالآيات النافية العسر والحرج في مواضع كثيرة وحكمهم بسبب ذلك بانتقال التكليف إلى الأخف أو انقلاب التكليف بالكلية من الشواهد الساطعة على المصداقية وكذا الاحكام المبنية علة قصر الصّلاة ولزوم الافطار في السفر ونحو ذلك والالتجاء إلى أمثال هذه التكلفات الباردة والتأويلات الشاردة لأجل ما ادعى من قضية الامتنان وحديث الاجماع وحكاية اللطف من المجازفات المحضة إذ الجواب عن الأول ظاهر لان الحرج وان فسر في بعض الأخبار بالضيق الا ان له مراتب كثيرة فمنها ما يقرب إلى العجز وعدم الطاقة فيمكن ان يكون في هذه الشريعة هو المنفى ويكون هو المراد من الاصر والاغلال في قوله تعالى ولا تحمل علينا إصرا وقوله تعالى والاغلال التي كانت عليهم فيتم الامتنان فيكون التكاليف الشاقة البالغة إلى هذا الحدّ المنفية في هذه الشريعة مما يعد حرجا وضيقا على هذا النهج على الأمم الماضية أيضا لا بالنسبة الينا خاصة كما قد يتوهّم « 1 » إلى ما في الآثار من بسطة الأولين في الاعمار والأجسام وطاقتهم على تحمل شدائد الأمور وحديث المعراج فينتفى الحرج في جميع الملل والأديان ويختلف الحال بسبب اختلاف أهلها لان ذلك لا يقاوم لمعارضة الآيات الظاهرة في الامتنان على أن الخبر لا دلالة له صريحا على طاقة غير امّته ص وعلى فرض تسليم دلالته على ذلك يمكن ان يتخرج وجه في ذلك فلا ينافي ما قلنا وبالجملة فان التكليف بما فوق السّعة مما لم يصل إلى الامتناع العقلي أو العادي قد وقع بعض مراتبه في شرعنا أيضا فالعمومات المستدل بها على المنع قابلة للتخصيص والامتنان باعتبار بعض المراتب أو بالنظر إلى أكثر الاحكام وشيوع الابتلاء بموارد العسر والحرج في تلك الشرائع وعمومه للمكلفين بها والقول بأنه على الوجه المذكور يجوز تخصيص المرتبة المذكورة من تلك العمومات فلا يحصل الامتنان أصلا مما لا يصغى اليه جدّا لان مقام الجواز غير مقام الوقوع فبعدم الوقوع يحصل الامتنان وبالجملة فان الامتنان يحصل بما قررنا وبما بينا الامر عليه أيضا فلا حاجة إلى ما يتكلف ويقال في المقام من أن الحرج منفى في وضع الدين لا في عوارضه الاتفاقية فطبائع التكاليف خالية عن الحرج أو ان الحرج ليس دينا لكم كما أن بني إسرائيل يتدينون بالحرج أو ان حملة الدين من حيث الهيئة الاجتماعية ليست مبنية على الحرج إلى غير ذلك من التكلفات الباردة مع أن بعضا من تلك الوجوه يستلزم محاذير كما لا يخفى على الفطن وبعضا منها لا ينافي ما بيننا الامر عليه ثمّ ان قضية الاجماع مما امرها أعجب وكيف لا فان المسألة على ما مرت اليه الإشارة مخمسة الأقوال وقد عرفت ان من جملتها القول بوقوع التكاليف الشاقة مما يكون مصداقا للعسر والحرج عرفا ولغة في هذا الذين أيضا بل إن هذا على ما مر اليه الإشارة هو قول الأكثر وقد عرفت أيضا ان من جملة الأقوال قول الشيخ الحر العاملي من أن جميع التكاليف مما فيه مشقة وصعوبة فلا اجماع على ذلك القول لا حدسا ولا برهانا ولا قطعيا ولا ظنيا والمسلم منه ما كان على عدم جواز التكليف بما لا يطاق أو ما يقرب منه ويوجب ضيقا شديدا في غاية الشدة أو ان ما اجمع عليه المسلمون هو ورود نفى الحرج في الشرع على سبيل العموم لا انه لا مخصّص له فيه هذا واما قضية اللطف فالجواب بعد الغض عن غموض الامر فيه وتمشيته الف كلام على الاحتجاج بمثله هو انه قد يترتب على امر صعب وضيق سهولة وسعة كثيرة دائمية أعلى وارفع من هذا الصّعب فمقتضى اللطف ح هو التكليف بالصّعب الأدنى للوصول إلى السعة الا على والأمثلة العرفية والشواهد العقلائية مما يحدّ وإلى ذلك في غاية الكثرة واما ايجاب ذلك مع كثرة المخالفة فهو غير مناف للّطف

--> ( 1 ) نظرا